كَوَالِيسُ لِقَاءٍ رِئَاسِيٍّ لَافِتٍ

Mariam emaed
By -
0

 كَوَالِيسُ لِقَاءٍ رِئَاسِيٍّ لَافِتٍ



عُمْدَةُ السَّرَارِيَّةِ وَرِسَالَةُ «النَّمُوذَجِ الإِيجَابِيِّ»


لم يكن اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بعدد من العُمَد والمشايخ مجرد لقاء بروتوكولي ، وإنما حمل في تفاصيله دلالة مهمة تتعلق بعلاقة الدولة بالمجتمع المحلي ، وبالدور الذي يمكن أن يقوم به أبناء القرى في مواجهة المشكلات الاجتماعية ، ودعم الفئات الأكثر احتياجًا ، والمساهمة في حماية الوعي المجتمعي .


وتكتسب شهادة عمدة قرية السرارية أهمية خاصة ، بعدما تحدث عقب اللقاء عن أجواء الاجتماع ، موضحًا أن اللقاء كان ، بحسب وصفه ، الأول من نوعه الذي يجمع العُمَد والمشايخ برئيس الجمهورية بهذا الشكل المباشر .


واللافت في روايته أن الرهبة التي قد تصاحب مثل هذه اللقاءات الرسمية لم تكن هي العنوان الرئيسي للمشهد ، إذ أكد أن الرئيس أتاح للحاضرين مساحة للحديث والاستماع إليهم بصورة مباشرة ، وهو ما شجعهم على طرح ما لديهم من أفكار وملاحظات ومشكلات بكل حرية وشفافية .


وهنا تظهر إحدى أهم دلالات اللقاء .


فالتواصل المباشر بين القيادة السياسية وشخصيات المجتمع المحلي لا يقتصر على الاستماع إلى المطالب الخدمية ، وإنما يتيح للدولة التعرف على تجارب محلية قد تكون قابلة للتعميم والاستفادة منها في قرى ومناطق أخرى .


وفي هذا السياق ؛ عرض عمدة السرارية تجربة قريته في العمل الأهلي والمجتمعي ، مشيرًا إلى أن الجهود الذاتية استطاعت الوصول إلى نحو ١٥٠ أسرة، تضم أكثر من ٦٠٠ شخص من الفئات الأولى بالرعاية والأكثر احتياجًا .


وهذه الأرقام ؛ إذا ما نُظر إليها بعيدًا عن لغة الاحتفال ، تعكس فكرة أوسع من مجرد تقديم مساعدات .


فالمجتمع المحلي عندما يتحول من متلقٍّ للخدمة إلى شريك في تقديمها ، يصبح عنصرًا مساعدًا للدولة في الوصول إلى الحالات التي قد تحتاج إلى متابعة اجتماعية مستمرة ، خصوصًا في ملفات الفقر ، ورعاية الأيتام ، ودعم الطلاب ، ومواجهة بعض الظواهر الاجتماعية السلبية .


ومن بين الملفات التي عرضها عمدة السرارية أمام الرئيس قضية زواج القاصرات ، إلى جانب جهود مواجهة الشائعات ، ورعاية الأيتام ، ودعم الطلاب ، وهي ملفات تتجاوز مفهوم المساعدة المالية المباشرة إلى العمل على معالجة أسباب ومظاهر بعض المشكلات داخل المجتمع نفسه .


وهنا جاءت الإشادة الرئاسية، بحسب ما نقلته التغطيات الإعلامية عن العمدة ، بصورة تحمل دلالة واضحة ، عندما وُجِّه إليه القول : «أنت نموذج إيجابي يُحتذى به» .


والأهمية هنا ليست في العبارة وحدها ، وإنما في المعيار الذي جاءت على أساسه الإشادة .


فالنموذج الذي ظهر في الحديث لم يكن قائمًا على منصب رسمي كبير أو على إمكانات مالية ضخمة ، وإنما على مبادرات ميدانية ، وتحمل مسؤولية اجتماعية ، والوصول إلى المواطنين ، ومواجهة بعض الظواهر التي تؤثر في الأسرة والطفل والتعليم والوعي العام .


وتنسجم هذه الفكرة مع فلسفة «حياة كريمة» التي تبنتها الدولة باعتبارها مشروعًا لا يقتصر على البنية الأساسية ، وإنما يشمل التدخلات الاجتماعية والتعليمية والتوعوية والاقتصادية ، مع التأكيد على المشاركة المجتمعية في تحديد الاحتياجات وترتيب الأولويات .


ومن هذه الزاوية يمكن فهم اللقاء باعتباره رسالة إلى الإدارة المحلية والمجتمع الأهلي في الوقت نفسه .


الدولة لا تستطيع وحدها أن تصل إلى كل تفاصيل الحياة اليومية داخل آلاف القرى ، كما أن المجتمع المحلي لا يستطيع أن يحل محل الدولة في أداء وظائفها الأساسية .


لكن عندما تتكامل المسؤولية الرسمية مع المبادرة المجتمعية ، يصبح بالإمكان تحقيق نتائج أوسع ، خصوصًا في القضايا التي تحتاج إلى معرفة دقيقة بطبيعة كل قرية وظروف أسرها وأبنائها .


واللافت أيضًا أن حديث عمدة السرارية عن إزالة الرهبة وفتح مساحة للحوار يضع مفهومًا مهمًا أمام المسؤولين المحليين .


فالمسؤولية لا تعني فقط نقل التعليمات من الأعلى إلى الأسفل ، وإنما تعني كذلك القدرة على الاستماع إلى الناس ، وفهم المشكلات من مصادرها المباشرة ، والتعرف على النماذج الناجحة داخل المجتمع .


وهذه النقطة تحديدًا قد تكون من أهم مخرجات مثل هذه اللقاءات ، لأن بعض الحلول لا تبدأ دائمًا من مكتب حكومي ، وإنما قد تبدأ من داخل قرية صغيرة ، على يد شخص يعرف أهلها ويعرف احتياجاتها ويستطيع أن يحرك إمكاناتها الذاتية .


ولذلك فإن الإشادة بعمدة السرارية ، كما نُقلت إعلاميًا ، يمكن قراءتها في إطار أوسع : الدولة تلتفت إلى المبادرة المجتمعية عندما تتحول من كلام إلى نتائج قابلة للقياس على الأرض .


فـ ١٥٠ أسرة وأكثر من ٦٠٠ مستفيد ، بحسب ما ورد في رواية العمدة ، ليست مجرد أرقام للاستهلاك الإعلامي ، وإنما تصبح ذات قيمة عندما تقترن باستمرارية العمل ، ووصول الدعم إلى مستحقيه ، ووجود أثر حقيقي في حياة الأسر والأطفال والطلاب .


والرسالة الأهم من اللقاء ربما لا تكون في تكريم شخص بعينه ، وإنما في تشجيع فكرة أوسع : أن كل قرية تمتلك داخلها طاقات بشرية قادرة على المساهمة في حل جزء من مشكلاتها ، وأن الدولة تستطيع اكتشاف هذه الطاقات عندما تفتح قنوات مباشرة للحوار معها .


ومن هنا تتحول عبارة «نموذج إيجابي يُحتذى به» إلى معيار للعمل المجتمعي نفسه : مبادرة ، ونتائج ، ومسؤولية ، وشفافية ، وقدرة على تحويل الإمكانات المحدودة إلى أثر ملموس .


وفي النهاية ؛ فإن قوة أي تجربة محلية لا تُقاس بحجم الضجيج حولها ، وإنما بقدرتها على الاستمرار ، وبعدد الأسر التي استفادت منها ، وبما تركته من أثر في التعليم والأسرة والوعي والتكافل الاجتماعي .


وهذا هو الجانب الذي يجعل تجربة عمدة السرارية جديرة بالمتابعة والدراسة ، ليس باعتبارها قصة شخص واحد ، وإنما باعتبارها مثالًا على إمكانية أن يصبح المجتمع المحلي شريكًا حقيقيًا في عملية التنمية ، إلى جانب مؤسسات الدولة .


✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ


الله الوطن الجيش

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)