بريكس وعالم متعدد الأقطاب
لم يعد العالم يسير وفق الصورة ذاتها التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة .
فلسنوات طويلة ، بدا أن الولايات المتحدة تمثل مركز الثقل الأكبر في النظام الدولي ، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا ، وأن القرار العالمي يتحرك في مساحة واسعة تحت تأثير القوى الغربية ومؤسساتها المالية والاقتصادية .
لكن السنوات الأخيرة كشفت عن تحولات متسارعة .
الصين صعدت اقتصاديًا وسياسيًا ، وروسيا عادت بقوة إلى قلب الصراع الدولي ، ودول أخرى بدأت تبحث عن مساحة أوسع لحماية مصالحها بعيدًا عن التبعية الكاملة لقطب واحد .
في هذا المشهد ، ظهرت أهمية مجموعة بريكس .
وبريكس ليست دولة واحدة ، ولا تحالفًا عسكريًا يشبه الأحلاف التقليدية ، وليست أيضًا قوة موحدة تتفق جميع دولها على كل الملفات .
إنها تجمع يضم قوى ودولًا مختلفة في قدراتها ومصالحها ورؤيتها السياسية ، لكنها تلتقي عند نقطة مهمة ، وهي الرغبة في بناء نظام دولي يمنح القوى الصاعدة والدول النامية مساحة أكبر في الاقتصاد والسياسة واتخاذ القرار .
وهنا يصبح الحديث عن بريكس باعتبارها جزءًا من التحول نحو عالم متعدد الأقطاب أكثر دقة من وصفها بأنها قطب واحد جديد .
ففكرة تعدد الأقطاب تعني وجود أكثر من مركز للقوة والتأثير في العالم .
وهذا يمنح الدول فرصًا أوسع للمناورة وبناء الشراكات ، ويقلل من قدرة قوة واحدة على فرض رؤيتها على الجميع .
ومن أهم ما يميز بريكس أنها تجمع دولًا تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية وجغرافية ضخمة .
كما أنها تمثل اتجاهًا متزايدًا نحو البحث عن بدائل في التجارة والتمويل ، وتوسيع استخدام العملات الوطنية ، وتقليل الاعتماد الكامل على مركز مالي واحد .
وهذه التحركات لا تعني بالضرورة سقوط الدولار أو نهاية النظام المالي الدولي القائم ، كما يروج البعض .
لكنها تعني أن هناك رغبة حقيقية لدى عدد متزايد من الدول في امتلاك خيارات أخرى ، وعدم وضع اقتصادها بالكامل تحت تأثير أداة واحدة أو نظام واحد .
وهنا تظهر إحدى أهم مزايا العالم متعدد الأقطاب .
فكلما تعددت الخيارات أمام الدول ، أصبحت قدرتها على حماية مصالحها أكبر .
لكن الصورة ليست بهذه البساطة .
فتعدد الأقطاب لا يعني بالضرورة عالمًا أكثر هدوءًا أو أكثر عدلًا .
بل قد يؤدي أحيانًا إلى زيادة التنافس والصراعات ومحاولات كل قوة لتوسيع نفوذها .
وإذا كان العالم الأحادي القطب يحمل خطر الهيمنة المنفردة ، فإن العالم متعدد الأقطاب يحمل خطر الصدام بين القوى المتنافسة .
وهذا هو أحد أخطر أبعاد المرحلة القادمة .
فالمنافسة الاقتصادية قد تتحول إلى حرب تجارية .
والتنافس التكنولوجي قد يتحول إلى صراع على البيانات والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات .
والاختلاف السياسي قد يتحول إلى صراعات بالوكالة في مناطق أخرى من العالم .
كما أن بريكس نفسها تواجه تحديات داخلية .
فالدول المنضمة إليها ليست نسخة واحدة من بعضها .
هناك اختلافات في المصالح الاقتصادية ، والرؤى السياسية ، والعلاقات الدولية ، بل توجد بين بعض القوى الكبرى داخل المجموعة نفسها ملفات تنافس واختلاف .
ولهذا فإن نجاح بريكس لا يتوقف فقط على زيادة عدد أعضائها ، بل على قدرتها على تحويل التنوع إلى قوة ، والاختلاف إلى مساحة للتعاون بدلًا من أن يصبح سببًا للانقسام .
والأهم أن الدول التي تنظر إلى بريكس باعتبارها فرصة يجب أن تدرك أن الانضمام إلى أي تجمع دولي لا يصنع القوة وحده .
القوة الحقيقية تبدأ من الداخل .
من اقتصاد قادر على الإنتاج .
ومن دولة تمتلك قرارها .
ومن مؤسسات قوية .
ومن قدرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى دون الوقوع في التبعية لأي طرف .
وهنا تصبح مصر نموذجًا مهمًا لفهم قيمة التوازن .
فالدولة التي تعرف كيف تتعامل مع الشرق والغرب ، وتحافظ على مصالحها مع القوى الكبرى ، وتفتح لنفسها مسارات متعددة للتعاون ، تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني وسط عالم سريع التغير .
إن بريكس ليست عصا سحرية ، وليست أيضًا تهديدًا يجب النظر إليه بالخوف .
إنها جزء من تحول أكبر يشهده العالم .
تحول من نظام حاول فيه طرف واحد أن يكون صاحب التأثير الأكبر ، إلى نظام تتزايد فيه مراكز القوة والمصالح والتنافس .
والسؤال الحقيقي ليس هل سينجح العالم في أن يصبح متعدد الأقطاب فقط .
السؤال الأهم هو هل تستطيع هذه الأقطاب أن تتنافس دون أن تدفع الشعوب ثمن صراعاتها .
وهنا يكمن التحدي الحقيقي .
فالقوة ليست في تعدد الأقطاب وحده .
بل في القدرة على إدارة هذا التعدد بعقل وحكمة ، بحيث يتحول التنافس إلى توازن ، بدلًا من أن يتحول التوازن إلى صدام .
✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ
الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب
ودعم مؤسسات الدوله
رئيس الهيئة الإستشارية العليا
ولجنة الأمن القومي
مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي
النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه
العلاقات الدبلوماسية والقنصلية
لجنة تقصِّي الحقائق
الله الوطن الجيش

إرسال تعليق
0تعليقات