البابا تواضروس ودور وطني في إرساء السلام المجتمعي
لم تكن زيارة قداسة البابا تواضروس الثاني إلى محافظتي المنيا وبني سويف خلال الأسبوع الماضي مجرد جولة رعوية بين الكنائس والأديرة ، وإنما حملت في مضمونها أبعادًا روحية ومجتمعية ووطنية تتجاوز حدود المناسبة الكنسية .
فحين يتحرك رأس الكنيسة القبطية بين أبناء الصعيد ، ويلتقي بالمواطنين والقيادات التنفيذية والدينية ، ويشارك في لقاءات تجمع المسلمين والمسيحيين ، فإن الرسالة لا تتوقف عند الجانب الديني ، وإنما تمتد إلى تأكيد معنى أعمق للمواطنة المصرية ، وهو أن اختلاف العقيدة لا يمكن أن يكون سببًا لاختلاف الوطن .
والصعيد تحديدًا يحمل خصوصية كبيرة في الوجدان المصري ، لأنه نموذج واضح للمجتمع الذي تتجاور فيه العائلات والقرى والكنائس والمساجد ، وتتشابك فيه العلاقات الإنسانية والاجتماعية عبر أجيال طويلة .
ومن هنا تأتي أهمية الدور الوطني لقداسة البابا تواضروس ، الذي لا ينحصر في رعاية أبناء الكنيسة ، وإنما يشارك أيضًا في ترسيخ خطاب المحبة والهدوء والاعتدال ، والدعوة إلى احترام الآخر ، والحفاظ على النسيج الوطني .
وقد عكست فعاليات الزيارة هذا المعنىٰ بوضوح ، خصوصًا في اللقاء الوطني الذي شهدته بني سويف ، بحضور قيادات من الأجهزة التنفيذية والأمنية ، ورجال الدين الإسلامي والمسيحي ، وقيادات أكاديمية ومجتمعية .
السلام المجتمعي لا تصنعه القوانين وحدها ، ولا تحميه الإجراءات الأمنية فقط ، وإنما يبدأ أيضًا من الوعي ، ومن الخطاب الديني المسؤول ، ومن قدرة الرموز الوطنية والدينية على تهدئة النفوس ، وقطع الطريق على محاولات صناعة الفتنة ، وعدم السماح للخلافات الطبيعية داخل المجتمع بأن تتحول إلى صراع بين أبناء الوطن الواحد .
وهنا تظهر قيمة الدور الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات الدينية الوطنية ، وعلى رأسها الأزهر الشريف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، عندما تلتقي رسائلهما حول مفهوم المواطنة ، واحترام الإنسان ، والحفاظ على الدولة ، ورفض خطاب الكراهية والتحريض .
إن مصر لا تحتاج إلى من يذكرها بأنها وطن واحد ، بقدر ما تحتاج إلى أن يظل هذا المعنى حاضرًا في سلوك أبنائها وخطاب مؤسساتها ورموزها .
والبابا تواضروس ؛ بما يمثله من مكانة روحية ووطنية ، يستطيع أن يكون جزءًا أصيلًا من هذه المعادلة ، عندما يؤكد أن الكنيسة المصرية جزء من النسيج الوطني ، وأن المصريين جميعًا شركاء في وطن واحد ، لهم حقوق واحدة وعليهم مسؤوليات واحدة .
إن السلام المجتمعي ليس مجرد غياب للمشكلة ، وإنما هو قدرة المجتمع على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة ، وعلى مواجهة الشائعات دون أن تتحول إلى فتنة ، وعلى حماية العلاقات الإنسانية من محاولات الاستقطاب والتقسيم .
ومن المنيا إلى بني سويف ؛ كانت الرسالة الأهم التي تستحق التوقف أمامها هي أن المحبة عندما تتحول إلى سلوك وطني ، تصبح قوة لحماية المجتمع ، وأن المواطنة عندما تتحول إلى ممارسة حقيقية ، تصبح جدارًا في مواجهة كل من يريد العبث بوحدة المصريين .
مصر ستظل في حاجة إلى كل صوت عاقل يدعو إلى السلام ، وكل مؤسسة وطنية تعمل على جمع المصريين لا تفريقهم ، وكل قيادة دينية تدرك أن مسؤوليتها تجاه المجتمع لا تنفصل عن مسؤوليتها تجاه الإنسان .
وفي هذا السياق ؛ يمكن قراءة زيارة قداسة البابا تواضروس إلى الصعيد باعتبارها رسالة وطنية هادئة تؤكد أن الكنيسة المصرية ليست منفصلة عن قضايا مجتمعها ، وأن الحفاظ على السلام المجتمعي مسؤولية مشتركة ، لا يعرف فيها الوطن مسلمًا ومسيحيًا ، وإنما يعرف أبناءً لوطن واحد ، يجمعهم التاريخ ، وتحميهم الدولة ، وتبقى وحدتهم أحد أهم مصادر قوة مصر .
✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ
الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب
ودعم مؤسسات الدوله
رئيس الهيئة الإستشارية العليا
ولجنة الأمن القومي
مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي
النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه
العلاقات الدبلوماسية والقنصلية
لجنة تقصِّي الحقائق
الله الوطن الجيش


إرسال تعليق
0تعليقات