مصر .. عندما فشل إسقاط الدولة بدأ استنزافها
هناك أحداث لا يجوز أن نقرأها منفردة ، لأن خطورتها لا تظهر في كل حدث علىٰ حدة ، وإنما في اتجاهها العام وتوقيتاتها ونتائجها .
ومن هُنٰا يبدأ السؤال الأصعب : هل كانت مصر هي الحلقة التي كان يجب إسقاطها أولًا حتىٰ يصبح تفكيك الإقليم وإعادة تشكيله أكثر سهولة ؟
مصر ليست دولة يمكن تجاوزها في أي مشروع لإعادة رسم موازين المنطقة .
موقعها ، جيشها ، قناة السويس ، سيناء ، حدودها مع غزة وليبيا والسودان ، ومكانتها العربية ، تجعل استقرارها عنصرًا أساسيًا في استقرار الإقليم كله .
ولهذا فإن ضرب الدولة المصرية من الداخل كان سيعني أكثر من مجرد إحداث اضطراب داخلي .
كان سيعني إضعاف إحدىٰ أهم ركائز التوازن العربي ، وفتح المجال أمام تغييرات أكبر من حدود مصر نفسها .
وهُنٰا يجب أن نتذكر أن أخطر المعارك ليست دائمًا تلك التي تبدأ بصاروخ أو دبابة .
أحيانًا تبدأ المعركة بمحاولة ضرب الثقة بين المواطن والدولة ، وتحويل الخلاف السياسي إلىٰ صراع مجتمعي ، وإرباك مؤسسات الدولة ، واستنزاف الاقتصاد ، ودفع المجتمع إلىٰ حالة من الفوضىٰ تجعل الدولة عاجزة عن حماية نفسها أو محيطها .
وقد مرت مصر بالفعل بمرحلة شديدة الخطورة من الاستقطاب والاضطراب ، وتزامن ذلك مع انهيار دول ومؤسسات في محيطها العربي .
لكن الرهان علىٰ سقوط الدولة المصرية لم يكتمل .
الدولة بقيت ، ومؤسساتها بقيت ، والجيش المصري بقيٰ حاضرًا ، والمجتمع المصري أثبت أن تفكيك الدولة ليس أمرًا يمكن فرضه بسهولة علىٰ شعب يمتلك ذاكرة تاريخية عميقة وإحساسًا واضحًا بمعنىٰ الدولة الوطنية .
وهُنٰا تغيرت المعادلة ؛
عندما يفشل إسقاط الدولة من الداخل ، قد تتغير الأدوات من محاولة إسقاطها إلىٰ محاولة إنهاكها .
وهُنٰا نصل إلىٰ مفهوم أكثر خطورة : الاستنزاف الاستراتيجي .
الاستنزاف لا يحتاج إلىٰ حرب مباشرة .
قد يكون من خلال أزمات متزامنة ، وضغوط اقتصادية ، وتهديدات أمنية ، وملفات حدودية ، وصراعات في الدول المحيطة ، وأزمات في المياه والطاقة والبحر ، بحيث تجد الدولة نفسها مضطرة إلىٰ توزيع قدراتها علىٰ أكثر من اتجاه في الوقت نفسه .
انظر إلىٰ الخريطة حول مصر .
في الشرق غزة وإسرائيل ، وفي الغرب ليبيا ، وفي الجنوب السودان ، وعلىٰ امتداد البحر الأحمر تهديدات متصاعدة ، وفي ملف المياه سد النهضة ، وفي البحر المتوسط ملفات الطاقة والأمن ، وفوق ذلك ضغوط اقتصادية وسياسية وإعلامية متواصلة .
لا نقول إن كل هذه الملفات صُنعت من جهة واحدة أو بأمر واحد ، لأن هذا يحتاج إلىٰ أدلة مباشرة .
لكننا نسأل سؤالًا أكثر أهمية :
هل أدَّىٰ تراكم هذه الملفات إلىٰ نتيجة واحدة هي زيادة الضغط علىٰ الدولة المصرية ورفع تكلفة حماية أمنها القومي ؟
هُنٰا يجب أن تكون القراءة أكثر عمقًا من مجرد البحث عن كلمة «مؤامرة» .
فالصراع الدولي لا يعمل دائمًا من خلال خطة واحدة معلنة ، وإنما تتحرك فيه دول وقُوىٰ ومصالح متعددة ، وقد تتقاطع أهدافها عند نقطة واحدة حتىٰ لو لم تكن جميعها تعمل بتنسيق مباشر .
ومصر بحكم موقعها وثقلها ليست مجرد دولة تتأثر بما يحدث في المنطقة .
مصر دولة يمكن أن تؤثر في اتجاه المنطقة كلها .
ولهذا فإن الحفاظ علىٰ استقرارها واستقلال قرارها يمثل عائقًا أمام أي مشروع إقليمي يسعىٰ إلىٰ فرض واقع جديد بالقوة أو الفوضىٰ .
ومن هُنٰا نفهم لماذا لا ينبغي أن ننتظر دائمًا ضربة مباشرة حتىٰ ندرك وجود ضغط .
فالضغط قد يكون في تحويل حدود مصر إلىٰ مناطق أزمات ، أو دفعها إلىٰ التعامل مع ملفات أمنية متزامنة ، أو رفع تكلفة حماية حدودها ، أو محاولة فرض وقائع جديدة بالقرب من أمنها القومي ، أو استنزاف قدرتها الاقتصادية والسياسية .
والهدف في مثل هذه الحالة لا يكون إسقاط الدولة بالضرورة .
قد يكون الهدف هو جعل الدولة منشغلة دائمًا بإطفاء الحرائق بدلًا من توسيع قدرتها علىٰ البناء والحركة .
وهذا هو الفارق بين إسقاط الدولة واستنزاف الدولة .
إسقاط الدولة يحتاج إلىٰ لحظة حاسمة .
أما الاستنزاف فيحتاج إلىٰ وقت طويل وضغوط متراكمة .
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نتعامل مع كل أزمة منفردة ، ولا نرىٰ الصورة الأوسع التي تكشفها حركة الأزمات مجتمعة .
لقد فشل الرهان علىٰ مصر من الداخل .
وهذا لا يعني أن الضغوط انتهت ، بل يعني أن أدوات الضغط يمكن أن تتغير .
ومن محاولة كسر الدولة قد تنتقل المعركة إلىٰ محاولة إنهاكها .
ومن هُنٰا فإن حماية مصر اليوم لا تعني فقط حماية حدودها ، وإنما حماية قدرتها علىٰ اتخاذ القرار ، وحماية تماسك مجتمعها ، وحماية اقتصادها ، ومنع تحويل الأزمات الإقليمية إلىٰ أعباء دائمة علىٰ الدولة المصرية .
كما أن أخطر ما يمكن أن تفعله مصر هو الدخول في كل مواجهة تُفرض عليها بالطريقة التي يريدها الطرف الآخر .
القوة ليست في فتح كل الجبهات ، وإنما في اختيار التوقيت ، وإدارة المخاطر ، والحفاظ علىٰ القدرة الاستراتيجية للدولة .
مصر التي أفشلت محاولة إسقاطها من الداخل ، لا يجوز أن تسمح بتحويل ذلك الفشل إلىٰ نجاح آخر تحت عنوان الاستنزاف .
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع جبهة واحدة ، ولا مع أزمة واحدة .
إنها معركة دولة تريد أن تحافظ علىٰ قرارها الوطني في إقليم يعاد تشكيله أمام أعين الجميع .
والرسالة الأهم أن مصر عندما تحافظ علىٰ تماسكها ، وتحمي مؤسساتها ، وتحافظ علىٰ جيشها ، وتصون حدودها ، فإنها لا تحمي نفسها فقط .
إنها تمنع انتقال المنطقة إلىَ مرحلة يكون فيها تفكيك الدول الوطنية هو القاعدة ، وتصبح الفوضىٰ وسيلة لإعادة توزيع النفوذ والثروة والحدود .
ولهذا فإن قوة مصر واستقرارها ليست قضية مصرية فقط .
إنها إحدىٰ أهم موازين الأمن الإقليمي .
وإذا كان إسقاط مصر قد فشل ، فإن المعركة التالية يجب ألا تكون السماح باستنزافها .
فالدولة التي صمدت أمام محاولة كسرها من الداخل ، قادرة علىٰ إفشال أي محاولة لإضعافها من الخارج ، متىٰ أدركت طبيعة المعركة وحافظت علىٰ وحدتها وقرارها الوطني .
التوقيع
✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ
الإتحاد الوطني
لمكافحة الفساد والإرهاب
ودعم مؤسسات الدوله
رئيس الهيئة الإستشارية العليا
ولجنة الأمن القومي
مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي
النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه
العلاقات الدبلوماسية والقنصلية
لجنة تقصِّي الحقائق
الله الوطن الجيش

إرسال تعليق
0تعليقات