مِصْرُ وَالتَّعْدِينُ ؛ مِنَ الثَّرْوَةِ الْخَامِ إِلَى صِنَاعَةِ الْقِيمَةِ

Mariam emaed
By -
0

 مِصْرُ وَالتَّعْدِينُ ؛ مِنَ الثَّرْوَةِ الْخَامِ إِلَى صِنَاعَةِ الْقِيمَةِ


لم يَعُدْ التعدين في مصر ملفًّا اقتصاديًّا هامشيًّا أو نشاطًا يقتصر على استخراج بعض الخامات من باطن الأرض ، وإنما أصبح أحد الملفات التي تتحرك فيها الدولة برؤية مختلفة ، تقوم على تعظيم قيمة الموارد الطبيعية ، وجذب الاستثمارات ، وتوطين التكنولوجيا ، وبناء صناعات قادرة على تحويل الثروة المعدنية إلى قيمة اقتصادية حقيقية .

وهذا ما تعكسه بوضوح فعاليات النسخة الخامسة من منتدى مصر للتعدين المنعقد يومي ٢٨ و ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ بالعاصمة الجديدة ، تحت شعار «إطلاق الإمكانات الاستكشافية لمصر والدرع العربي النوبي» ، وبمشاركة واسعة من المستثمرين والشركات والخبراء وصنّاع القرار من مصر ودول مختلفة .


والأرقام المعلنة تكشف حجم التحول الذي يشهده هذا القطاع ؛ فقد تقدمت ١١٩ شركة ، من بينها أكثر من ١٤ شركة أجنبية ، بـ ٤٠٣ عروض على ١١٨ قطاعًا من إجمالي ٣٣٥ قطاعًا طُرحت للبحث والاستكشاف ، بما يؤكد أن خريطة الاستثمار التعديني في مصر بدأت تأخذ شكلًا أكثر اتساعًا وتنظيمًا .


لكن الأهم من الأرقام هو الفلسفة الجديدة التي تقف خلفها .


فالدولة لا تتحدث فقط عن استخراج الذهب أو الفوسفات أو التلك أو الكاولين وغيرها من الخامات ، وإنما عن الانتقال من بيع الخام في صورته الأولية إلى تعظيم القيمة المضافة ، والتوسع في التصنيع ، وبناء سلاسل قيمة متكاملة داخل مصر. وهذا هو الفارق بين دولة تمتلك ثروات طبيعية ، ودولة تمتلك القدرة على تحويل هذه الثروات إلى قوة اقتصادية وصناعية مستدامة .


ومن هنا تأتي أهمية أن يتسع مفهوم التعدين نفسه ليشمل الأنشطة المستحدثة والمتخصصة ، وألا تظل النظرة محصورة في المناجم التقليدية .


ومن المجالات التي تستحق اهتمامًا خاصًّا عالم الأحجار الكريمة والأحجار النفيسة والمعادن الثمينة ؛ فهذا المجال لا يرتبط بالاستخراج فقط ، وإنما يرتبط بالمعرفة العلمية ، والتصنيف ، وتحديد المنشأ ، والفحص ، والتقييم ، والتصنيع ، والتجارة الدولية ، وبناء الثقة في الأسواق العالمية .


وفي هذا السياق ؛ تبرز أهمية الاستفادة من الخبرات المصرية التي عاشت التجربة خارج الوطن ، واكتسبت علمًا وخبرة عملية ، ثم عادت إلى مصر حاملة معها ما يمكن أن يمثل إضافة حقيقية للمشروع الوطني .


ومن بين هذه الخبرات الدكتور جورج روفائيل ، بما يحمله من خبرة وعلم وتجربة ممتدة ، وبعد سنوات من الغربة والعمل خارج الوطن ، فإن عودته إلى مصر يمكن أن تمثل فرصة للاستفادة من خبراته في المجالات الجديدة التي تحتاجها المرحلة المقبلة ، وبصفة خاصة في عالم الأحجار الكريمة ، والمعادن الثمينة ، وتطوير المعرفة المتخصصة المرتبطة بها ، بما يساعد على بناء نشاط مصري أكثر احترافًا وقدرة على التعامل مع المعايير والأسواق الدولية .


وهنا لا نتحدث عن الاستفادة من شخص بعينه فقط ، وإنما عن فكرة أوسع بكثير ؛ وهي أن مصر تمتلك في أبنائها بالخارج ثروة من الخبرات والمعارف التي يجب أن تجد طريقها إلى الداخل ، خصوصًا عندما تتوافق هذه الخبرات مع قطاعات جديدة تستعد الدولة لتطويرها .


فالتنمية الحقيقية لا تقوم فقط على الأرض والثروات ، وإنما تقوم كذلك على العقول التي تعرف كيف تكتشف الثروة ، وكيف تحافظ عليها ، وكيف تضيف إليها قيمة ، وكيف تحول المعرفة إلى صناعة .


ولذلك فإن الوصول بمساهمة قطاع التعدين إلى نحو ٦% من الناتج المحلي الإجمالي ، وهو هدف أعلنته وزارة البترول والثروة المعدنية ، لا يمكن أن يتحقق بمجرد زيادة أعمال البحث والتنقيب ، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تضم التشريع ، والاستثمار ، والتكنولوجيا ، والخبرات ، والتصنيع ، والتعليم والتدريب ، والأسواق الدولية .


واللافت أيضًا أن مصر لا تنظر إلى التعدين باعتباره ملفًا مصريًا منفصلًا عن محيطها الأفريقي ؛ فقد شهدت القاهرة إطلاق منتدى الهيئات التنظيمية للمعادن الأفريقية «AFMRA» ، بهدف تبادل الخبرات وتطوير الأطر التنظيمية والتشريعية وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على إدارة مواردها المعدنية وجذب الاستثمارات وتحقيق قيمة مضافة .


وهنا تتضح الصورة بصورة أكبر ؛

مصر لا تبحث فقط عن ذهب في الصحراء ، وإنما تبحث عن موقع جديد في خريطة التعدين الإقليمية والدولية .


ولا تبحث فقط عن المستثمر الذي يستخرج الخام ، وإنما عن المستثمر الذي يستطيع أن يشارك في بناء صناعة ، ونقل تكنولوجيا ، وتدريب كوادر ، وإقامة سلاسل إنتاج ، وخلق قيمة مضافة داخل الدولة .


وفي المقابل ؛ فإن استعادة الخبرات المصرية من الخارج ، والاستفادة من علمها وتجاربها وعلاقاتها المهنية ، يجب أن تصبح جزءًا من هذه الرؤية ؛ لأن مصر في مرحلة تحتاج فيها إلى كل عقل مصري قادر على إضافة شيء حقيقي إلى مستقبلها .


منتدى مصر للتعدين ليس مجرد مؤتمر اقتصادي ينتهي بانتهاء جلساته ، وإنما يمكن أن يكون علامة على بداية مرحلة مختلفة في التعامل مع ثروات مصر الطبيعية ؛ مرحلة يصبح فيها الاكتشاف بداية الطريق ، وليس نهايته ، ويصبح الخام مادة أولية لصناعة ، وليس منتجًا نهائيًا للبيع .


وهنا تحديدًا ستكون قيمة الخبرة المصرية ، والعلم ، والتكنولوجيا ، والقدرة على إدارة الأسواق الدولية ، هي العامل الذي يحوّل ما تحت الأرض إلى قيمة فوق الأرض .


✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ

الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب

ودعم مؤسسات الدوله

رئيس الهيئة الإستشارية العليا

ولجنة الأمن القومي

مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي

النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه

العلاقات الدبلوماسية والقنصلية

لجنة تقصِّي الحقائق

الله الوطن الجيش

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)