عَزِيزُ مِصْرَ وَشَيْخُ الْأَزْهَرِ

Mariam emaed
By -
0


 عَزِيزُ مِصْرَ وَشَيْخُ الْأَزْهَرِ

حين تتحرك مصر لحماية الحجاز وإجهاض مخاطر التمدد الإسرائيلي

بقلم / ياسر مروان

ليست كل الحروب التي تشتعل في منطقتنا العربية حروبًا منفصلة عن بعضها ، وليست كل التحركات العسكرية والسياسية مجرد ردود أفعال على أحداث عابرة .

فهناك صراعات تتجاوز حدود ميادين القتال ، وتمتد أهدافها وتداعياتها إلى إعادة تشكيل موازين القوى ، وتغيير طبيعة التحالفات ، وفرض ترتيبات استراتيجية قد تحدد مستقبل المنطقة العربية لعقود قادمة .

ومن هنا ينبغي أن نقرأ التحرك الأخير للرئيس عبد الفتاح السيسي للدفاع عن المملكة العربية السعودية ، لا باعتباره مجرد موقف تضامني مع دولة عربية شقيقة ، وإنما باعتباره تحركًا يحمل أبعادًا استراتيجية ترتبط بالأمن القومي المصري والعربي .

فأمن السعودية ليس قضية سعودية وحدها ، وأمن الحجاز ليس بعيدًا عن أمن مصر ، وأي اختلال في التوازن الاستراتيجي لشبه الجزيرة العربية سوف تنعكس تداعياته على البحر الأحمر وقناة السويس والأمن القومي المصري بأكمله .


أولًا .. لماذا تحرك السيسي في هذا التوقيت ؟


إن التصعيد العسكري الدائر بين الحوثيين في اليمن والمملكة العربية السعودية يمثل خطرًا يتجاوز حدود الدولتين .


فالمملكة العربية السعودية تشكل أحد أهم أعمدة التوازن الاستراتيجي العربي ، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي ومكانتها الدينية وامتدادها على البحر الأحمر والخليج العربي .


وأي تهديد مباشر لاستقرار المملكة يعني بالضرورة تهديدًا لأحد أهم مراكز القوة في العالم العربي .


ولذلك فإن إعلان الرئيس السيسي استعداد مصر لتقديم الدعم الدفاعي للسعودية ، إذا طلبت المملكة ذلك ، يعكس إدراكًا بأن الأمن القومي المصري لا ينفصل عن أمن أشقائه العرب .


ولم يكن التحرك المصري إعلانًا لحرب هجومية ، وإنما جاء في إطار الاستعداد للدفاع عن دولة شقيقة تتعرض لاعتداءات تهدد أمنها واستقرارها .


وهنا تكمن أهمية الرسالة المصرية .. أن أمن المملكة العربية السعودية جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي ، وأن مصر لن تنظر إلى تهديد هذا الأمن باعتباره شأنًا بعيدًا عن مصالحها الاستراتيجية .


ثانيًا .. هل يجري إعداد المنطقة لتحولات عسكرية أخطر ؟


لا يمكن قراءة الحرب الدائرة في اليمن بمعزل عن التحولات التي تشهدها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، ولا عن المحاولات الإسرائيلية لتوسيع نطاق علاقاتها الأمنية والعسكرية داخل المنطقة .


وقد أثارت التقارير المتعلقة بمحاولات إسرائيل المشاركة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين ، والحديث عن رفض سعودي لهذه المشاركة ، تساؤلات مهمة حول الأهداف السياسية والاستراتيجية التي يمكن أن تترتب على مثل هذا التعاون .


فإذا كانت إسرائيل تسعى إلى توسيع حضورها الأمني في المنطقة تحت عنوان مواجهة التهديدات المشتركة ، فإن السؤال الأخطر يصبح :


هل يمكن أن تتحول الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى وجود عسكري دائم يغير التوازن الاستراتيجي في شبه الجزيرة العربية ؟


إن مجرد طرح هذا الاحتمال يستدعي يقظة عربية ، لأن وجود قوات إسرائيلية على الأراضي السعودية ، إن حدث مستقبلًا ، لن يكون تفصيلًا عسكريًا محدودًا ، بل تحولًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية .


ولا توجد حتى الآن أدلة علنية موثوقة تثبت وجود قرار أمريكي باستبدال قواعدها العسكرية في السعودية بقواعد إسرائيلية ، لكن ذلك لا يمنع دراسة المخاطر التي قد تترتب على أي توسع عسكري إسرائيلي محتمل في محيط البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية .


ثالثًا .. الحجاز والبحر الأحمر في قلب المعادلة الاستراتيجية


إن موقع الحجاز على الساحل الشرقي للبحر الأحمر يمنحه أهمية استراتيجية استثنائية .


فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي ، وإنما هو أحد أهم شرايين التجارة العالمية ، ويمثل امتداده الشمالي المدخل الجنوبي لقناة السويس ، أحد أبرز عناصر القوة الاقتصادية والجغرافية للدولة المصرية .


ومن هنا فإن أي تحول كبير في خريطة الانتشار العسكري على ضفتي البحر الأحمر يستوجب اهتمامًا مصريًا مباشرًا .


فمصر تدرك أن حماية قناة السويس لا تبدأ من بورسعيد أو السويس فقط ، وإنما ترتبط أيضًا بأمن باب المندب واستقرار اليمن والسعودية وسلامة الملاحة الدولية .


ومن يقرأ الجغرافيا جيدًا يدرك أن أمن البحر الأحمر لا يقبل التجزئة ، وأن حماية ضفته الشرقية تسهم في حماية ضفته الغربية .


ولهذا فإن التنسيق المصري السعودي ليس مجرد تعبير عن العلاقات التاريخية بين البلدين ، وإنما ضرورة استراتيجية تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة .


رابعًا .. التمدد الإسرائيلي ومخاوف إعادة تشكيل المنطقة


لطالما ارتبطت بعض التصورات الصهيونية التاريخية بفكرة التوسع الجغرافي ، ومنها الشعار المتداول عن الامتداد من النيل إلى الفرات .


ومع ضرورة التمييز بين هذه التصورات الأيديولوجية وبين السياسات الرسمية المثبتة ، فإن المخاوف العربية من التوسع الإسرائيلي لا تنشأ من فراغ ، خاصة في ظل استمرار الاحتلال والصراعات المتعلقة بالأراضي والسيادة والحقوق الوطنية .


ومن هنا تبرز أهمية رفض أي ترتيبات عسكرية قد تمنح إسرائيل نفوذًا مباشرًا داخل أراضي الدول العربية دون ضمانات واضحة تحمي سيادتها واستقلال قرارها .


فالأمن القومي العربي لا ينبغي أن يتحول إلى مساحة مفتوحة لترتيبات تفرضها القوى الخارجية ، ولا يجوز أن تصبح حماية الدول العربية مبررًا لوجود عسكري يخلق أخطارًا استراتيجية جديدة .


والخطر لا يكمن فقط في احتمال وجود قوات أجنبية ، وإنما في طبيعة المهام التي تؤديها ، ومدى سيطرتها على المعلومات والممرات الحيوية ، وتأثيرها في استقلال القرار العسكري والسياسي للدول المضيفة .


ولهذا فإن الموقف السعودي الرافض ، وفق تقارير صحفية حديثة ، لمشاركة إسرائيل العسكرية في مواجهة الحوثيين ، يحمل دلالة سياسية مهمة إذا تأكدت تفاصيله رسميًا .


فحماية المملكة ينبغي أن تتم بإرادتها الوطنية ، وبما يحفظ سيادتها ومصالحها ، دون أن تتحول أزماتها الأمنية إلى مدخل لفرض ترتيبات لا ترغب فيها .


خامسًا .. شيخ الأزهر وحشد الضمير العربي والإسلامي


وفي توقيت بالغ الحساسية ، يبرز دور فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ، شيخ الأزهر الشريف ، باعتباره أحد أهم الأصوات الدينية والفكرية في العالم الإسلامي .


فقد دعا الإمام الأكبر إلى تشكيل لجنة عاجلة من حكماء الدول العربية والإسلامية للعمل على وقف الصراعات والحروب ، وتغليب الحكمة والحوار ، وحماية أرواح الأبرياء .


وهذه الدعوة تكتسب أهمية خاصة في ظل تصاعد التوترات العسكرية ، وما قد تسببه من انقسامات تستنزف قدرات الدول العربية والإسلامية .


إن الأزهر الشريف بما يمثله من مكانة تاريخية وروحية قادر على الإسهام في بناء موقف أخلاقي وإنساني واسع ، يرفض الاعتداء على الدول ، ويحمي حرمة الدماء ، ويدعو إلى احترام السيادة الوطنية .


وإذا كانت الدولة المصرية تتحرك بأدوات السياسة والدبلوماسية والاستعداد الدفاعي ، فإن الأزهر يتحرك بأدوات الحكمة والوعي والمرجعية الدينية .


وهنا تتجلى أهمية تكامل الأدوار دون الخلط بين مسؤوليات المؤسسات .


فالرئيس السيسي يتعامل مع التهديدات من منظور مسؤوليات الدولة وحسابات الأمن القومي ، بينما يتعامل شيخ الأزهر مع تداعيات الصراع من منظور حماية الإنسان ووحدة الأمة وضرورة إطفاء نيران الحروب .


والجامع بين الموقفين هو إدراك خطورة الانقسام العربي والإسلامي في مرحلة تتطلب أعلى درجات الوعي والتنسيق .


سادسًا .. لماذا قد تربك التحركات المصرية حسابات القوى الأخرى ؟


إن نجاح مصر في تعزيز التنسيق الدفاعي مع السعودية ، وتوسيع دائرة التشاور العربي ، يمكن أن يغير حسابات الأطراف التي تراهن على استمرار الانقسام وضعف الموقف الإقليمي المشترك .


فوجود موقف مصري سعودي متماسك ، تدعمه علاقات عربية وإسلامية واسعة ، من شأنه أن يعزز قدرة الدول المعنية على الدفاع عن أمنها دون الاعتماد الكامل على ترتيبات تفرضها قوى خارجية .


ومن الطبيعي أن تتابع الولايات المتحدة وإسرائيل هذه التحركات باهتمام ، لما قد تتركه من آثار على موازين القوى والتحالفات في المنطقة .


لكن لا يمكن الجزم بأن تلك التحركات قد أجهضت مخططًا أمريكيًا إسرائيليًا محددًا ، أو أنها أثارت خوفًا لدى قيادات بعينها ، ما لم تتوافر معلومات موثقة تؤكد ذلك .


أما الحقيقة الاستراتيجية الأهم ، فهي أن امتلاك العرب القدرة على التنسيق وحماية أمنهم بصورة مستقلة يمنحهم قوة تفاوضية أكبر ، ويحد من قدرة الآخرين على فرض خيارات لا تتفق مع مصالحهم .


سابعًا .. حماية السعودية حماية للعمق الاستراتيجي المصري


إن العلاقة بين مصر والسعودية لا يمكن اختزالها في المصالح الاقتصادية أو التعاون السياسي .


فهناك ارتباط جغرافي وأمني عميق يجعل استقرار كل منهما عنصرًا مهمًا في استقرار الأخرى .


ومن هنا فإن الدفاع عن أمن المملكة ، وحماية المقدسات الإسلامية ، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر ، تمثل جميعها مصالح استراتيجية مصرية وعربية .


لكن نجاح أي تحرك دفاعي يتطلب وضوح أهدافه وحدوده ، ودراسة تكلفته ومخاطره ، والالتزام بالإجراءات الدستورية ، حتى لا تتحول مهمة حماية الأمن إلى استنزاف طويل يضر بالمصالح التي جاءت لحمايتها .


فالقوة الحقيقية ليست في الاندفاع إلى الحرب ، وإنما في امتلاك القدرة على الردع ومنع التهديدات ، مع الحفاظ على حق الدولة في اختيار التوقيت والوسيلة المناسبة لحماية أمنها .


وأخيرًا .. عزيز مصر وشيخ الأزهر


إن ما تشهده المنطقة اليوم يفرض على الشعوب العربية أن تنظر إلى الأحداث بعين الوعي الاستراتيجي ، لا بعين الانفعال أو الاكتفاء بالعناوين الظاهرة .


فالحرب في اليمن ، والتهديدات التي تواجه السعودية ، وأمن البحر الأحمر ، والتحولات في الانتشار العسكري للقوى الكبرى ، كلها ملفات مترابطة في تأثيراتها على مستقبل المنطقة .


وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر أمام مسؤولية تاريخية تتطلب حماية أمنها القومي ، وتعزيز تضامنها مع أشقائها ، ومنع أي ترتيبات إقليمية تهدد سيادة الدول العربية أو تضعف قدرتها على اتخاذ قراراتها المستقلة .


ويأتي دور الأزهر الشريف ليؤكد أن قوة الأمة لا تقوم على السلاح وحده ، وإنما تحتاج كذلك إلى الحكمة ووحدة الصف ووعي الشعوب بخطورة الانقسام .


إن حماية الحجاز ليست قضية دينية فحسب ، كما أن حماية البحر الأحمر ليست قضية عسكرية فحسب ، بل هما جزء من منظومة أوسع لحماية الأمن القومي العربي .


وإذا نجحت مصر والسعودية في تعزيز قدرتهما المشتركة على مواجهة التهديدات ، وأسهم الأزهر في حشد الجهود العربية والإسلامية نحو التضامن والسلام ، فإن المنطقة ستكون أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الخارجية والحفاظ على استقلال قرارها .


فمصر القوية لا تبحث عن الحروب ، لكنها تدرك أن السلام الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه ، وإرادة تصونه ، ووعي يكشف الأخطار قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره .


وتبقى الرسالة الأهم أن أمن مصر يبدأ من داخل حدودها ، لكنه لا ينتهي عندها ، وأن حماية العمق العربي مسؤولية مشتركة لا تحتمل التهاون أو الانقسام .


حفظ الله مصر والسعودية وسائر الأوطان العربية والإسلامية من كل سوء .


✍️ يَاسِرْ مَرْوَانْ

الِاتِّحَادُ الْوَطَنِيُّ لِمُكَافَحَةِ الْفَسَادِ وَالْإِرْهَابِ

وَدَعْمِ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ

رَئِيسُ الْهَيْئَةِ الِاسْتِشَارِيَّةِ الْعُلْيَا

وَلَجْنَةِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ

مَجْلِسُ التَّنْمِيَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالتَّعَاوُنِ الدَّوْلِيِّ

النَّقَابَةُ الْعَامَّةُ لِمُسْتَشَارِي التَّحْكِيمِ الدَّوْلِيِّ وَخُبَرَاءِ الْمِلْكِيَّةِ الْفِكْرِيَّةِ

الْعَلَاقَاتُ الدِّبْلُومَاسِيَّةُ وَالْقُنْصُلِيَّةُ

لَجْنَةُ تَقَصِّي الْحَقَائِقِ


اللَّهُ الْوَطَنُ الْجَيْشُ

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)