مِنْ وَثَائِقِ ١٩٧٤ إِلَى حُرُوبِ الْيَوْمِ ؛ كَيْفَ تُدَارُ مَوَازِينُ الْقُوَّةِ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ ؟

Mariam emaed
By -
0


 مِنْ وَثَائِقِ ١٩٧٤ إِلَى حُرُوبِ الْيَوْمِ ؛ كَيْفَ تُدَارُ

موازين الْقُوَّةِ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ ؟

في ٨ يونيو ١٩٧٤ ؛ كانت واشنطن تدير اتصالاتها السياسية والاستخباراتية في الشرق الأوسط ، ضمن مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة . وتكشف الوثائق الأمريكية المتراكمة عن نمط من التفكير الاستراتيجي يقوم على إدارة النفوذ ، وتوظيف التحالفات ، والتأثير في حسابات الدول ، واستخدام أدوات الضغط والتفاوض لتحقيق المصالح الأمريكية .

ومن أبرز الشواهد التاريخية مذكرة رفعها هنري كيسنجر إلى الرئيس ريتشارد نيكسون في ١١ أبريل ١٩٧٤ ، بشأن الدعم الأمريكي للأكراد في العراق بالتعاون مع إيران الشاه . 

وقد أوضحت المذكرة أن الهدف كان إبقاء الحكومة العراقية منشغلة بالداخل ، والحد من قدرتها على التحرك خارجيًا . 

ولم يكن المقصود وفق المذكرة ، تقسيم العراق بصورة دائمة ، وإنما استخدام هذه الورقة لتحقيق أهداف استراتيجية محددة .

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية ؛ ليس لأن وثيقة واحدة كشفت جميع أسرار المنطقة ، وإنما لأن الوثائق تضع أمامنا نموذجًا موثقًا لطريقة تفكير استراتيجي تتعامل مع التحالفات والأزمات والقوى المحلية باعتبارها أدوات مؤثرة في موازين القوة .

التحالفات ليست دائمًا غايات نهائية ؛ فقد تتحول إلى أدوات لتحقيق غايات أخرى .

في الحالة العراقية ؛ تعاونت واشنطن مع إيران الشاه لدعم الأكراد والضغط على بغداد . 

لكن هذه السياسة لم تكن التزامًا أبديًا بالقضية الكردية ، ولا مشروعًا معلنًا لتقسيم العراق ، بل تحركًا مرتبطًا بمصالح محددة . 

وعندما تغيرت الحسابات الإقليمية ، انتهى الدعم الكردي بصورة مفاجئة في عام ١٩٧٥ ، عقب التفاهم الإيراني العراقي الذي أُبرم في الجزائر . 

وهكذا وجد الأكراد أنفسهم أمام حقيقة قاسية ؛ أن الطرف الذي يستفيد من ورقة ضغط في مرحلة معينة قد يتخلى عنها عندما تتغير أولوياته .

هذه الواقعة التاريخية تقدم درسًا يتجاوز حدود العراق ؛ 

فالدول لا تُقيَّم فقط بما تعلنه من مواقف ، بل بما تحققه من مصالح ، وبمدى استعدادها لتغيير أدواتها عندما تتغير الظروف .

ومن هنا نفهم أهمية الجمع بين الدعم العسكري ، والضغط السياسي ، والاتصالات السرية ، والتفاوض . 

فهذه الأدوات لا تعمل منفصلة بالضرورة ، وإنما قد تتكامل داخل استراتيجية واحدة . 

وقد تُستخدم المفاوضات لتثبيت مكاسب تحققت تحت الضغط ، كما يمكن أن يُستخدم الضغط لفتح باب التفاوض بشروط مختلفة .


لكن يجب التمييز بين إدارة أزمة قائمة وبين صناعة الأزمة من البداية ؛

فالأولى يمكن إثباتها من خلال القرارات والوثائق ، أما الثانية فتحتاج إلى أدلة مستقلة تخص كل حالة .


ومن العراق إلى إيران ، تتغير الوقائع ، لكن سؤال النفوذ يظل حاضرًا .


لقد شهدت المنطقة تحولات عميقة منذ سبعينيات القرن الماضي ؛ من الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ ، إلى الحرب العراقية الإيرانية ، ثم حرب الخليج ، وغزو العراق عام ٢٠٠٣ ، وصولًا إلى اتساع شبكة الصراعات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة .

ولا يمكن اختزال هذه الأحداث جميعًا في خطة أمريكية واحدة ، لكن يمكن دراسة الدور الذي لعبته السياسات الأمريكية ، إلى جانب قرارات القوى الإقليمية ، في تشكيل البيئة التي نشأت فيها هذه الصراعات وتطورت .


وفي المشهد الراهن ؛ أصبحت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران أكثر من مجرد خلاف حول برنامج نووي أو عقوبات اقتصادية . 

إنها مواجهة تتداخل فيها القدرات العسكرية ، وأمن الملاحة ، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج ، ومواقع النفوذ الإقليمي . 

كما تتشابك هذه الملفات مع المواجهة الإسرائيلية الإيرانية ، والحرب في غزة ، والتوترات في لبنان ، وأمن البحر الأحمر ، وتطورات اليمن والعراق .


وهكذا لم تعد الأزمة الإقليمية محصورة في حدود جغرافية واحدة .

فالتصعيد في جبهة قد يؤثر في حسابات جبهة أخرى ، والضغط على دولة قد يدفعها إلى توسيع تحالفاتها ، وتعطيل ممر بحري قد يتحول إلى ورقة تفاوض تؤثر في الاقتصاد العالمي .


وهنا تبرز حقيقة مهمة في إدارة الصراعات ؛ فالقدرة على ممارسة الضغط لا تعني القدرة على التحكم الكامل في النتائج ، كما أن توسيع التصعيد لا يضمن القدرة على تحديد موعد انتهائه أو شروط التسوية النهائية .


أما إسرائيل ؛ فلا يمكن فهم تحركاتها بمعزل عن حسابات القوة في المنطقة ، أو عن علاقتها بالولايات المتحدة ، أو عن الصراع مع إيران والقوى المرتبطة بها . 

فالحروب في غزة ولبنان ، والتوترات المرتبطة بالبحر الأحمر والخليج ، تؤثر جميعها في البيئة الأمنية الإقليمية ، وتنعكس على حسابات الردع والتحالفات وممرات التجارة والطاقة .


غير أن التحليل الدقيق يقتضي دراسة الأهداف المعلنة والقرارات الفعلية والقدرات المستخدمة والنتائج المتحققة ، ثم مقارنتها بالوثائق التاريخية . 

وبهذه الطريقة يمكن كشف أنماط إدارة النفوذ من دون تحويل الاستنتاجات إلى حقائق لم تثبتها الأدلة .


وفي الخليج العربي ؛ تزداد أهمية هذه القراءة مع تصاعد المخاطر الأمنية وتنامي الحاجة إلى تنويع الشراكات الدفاعية . فالدول التي تعتمد على ضمانات خارجية تواجه اختبارًا حقيقيًا عندما تتسع المواجهات ، وتصبح مطالبة بإعادة تقييم مدى كفاية تلك الضمانات لحماية مصالحها الحيوية .


ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستنسحب بالضرورة من المنطقة ، أو أن دول الخليج تستطيع الاستغناء عن علاقاتها الأمنية معها بصورة كاملة . 

لكنه يعني أن تنويع الشراكات ، وتعزيز القدرات الذاتية ، وتطوير آليات التنسيق الإقليمي ، أصبحت جميعها عناصر مهمة في حسابات الأمن القومي .


وهنا تتشابك الحلقات بصورة أوضح . فإدارة النفوذ ترتبط بالتحالفات ، والتحالفات تتأثر بتغير المصالح ، وتغير المصالح يعيد تشكيل مواقف الدول ، بينما تؤدي الأزمات إلى اختبار قدرة كل طرف على حماية مصالحه واستيعاب نتائج قراراته .


ومن ثم ؛ فإن القضية لا تتعلق فقط بما تريده واشنطن أو طهران أو تل أبيب ، بل بما تستطيع كل قوة تحقيقه ، وبالحدود التي تقيد تحركاتها ، وبمدى قدرة القوى الإقليمية على منع الآخرين من فرض ترتيبات أمنية لا تتفق مع مصالحها .


وفي هذه المعادلة ؛ تحتل مصر موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية . فالأمن المصري يرتبط بأمن الخليج ، واستقرار البحر الأحمر ، وسلامة الملاحة في قناة السويس ، وتطورات السودان وليبيا ، وأمن الحدود ، وموازين القوى في شرق المتوسط . وأي اضطراب واسع في هذه الدوائر يمكن أن ينعكس على الاقتصاد المصري والتجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي .


لذلك ؛ فإن الدرس الأهم من الوثائق الأمريكية ليس البحث عن وثيقة قديمة يُقال إنها تنبأت بكل ما يحدث اليوم ، بل فهم الطريقة التي تفكر بها القوى الكبرى ، وكيف تستخدم أدواتها المختلفة ، وكيف تعيد ترتيب أولوياتها عندما تتغير الظروف .


إن حماية المصالح الوطنية تتطلب قراءة دقيقة للتحركات الدولية ، وعدم الاعتماد على الوعود الخارجية وحدها ، وبناء القدرات الذاتية ، وتوسيع هامش الحركة الاستراتيجية ، وإقامة شراكات تقوم على المصالح المتبادلة . كما تتطلب التمييز بين التحالف الذي يخدم هدفًا مؤقتًا والشراكة التي تستند إلى مصالح واضحة وطويلة الأمد .


إن وثائق السبعينيات تقدم شواهد تاريخية مهمة على استخدام النفوذ والتحالفات والأدوات السرية لتحقيق أهداف سياسية . وعندما توضع هذه الشواهد إلى جوار الأحداث اللاحقة ، فإنها تساعد على فهم الأنماط المتكررة في إدارة الصراعات ، لكنها لا تعفي الباحث من إثبات العلاقة بين كل واقعة وأخرى .


فالمنطقة لا تتحرك بفعل عامل واحد ، ولا تُدار جميع صراعاتها من غرفة واحدة . إنها ساحة تتقاطع فيها استراتيجيات القوى الكبرى ، ومصالح الدول الإقليمية ، وقرارات القيادات السياسية ، وقدرات الأطراف المحلية ، والنتائج غير المتوقعة للحروب .


ومن يقرأ هذه التشابكات بوعي ، يستطيع أن يميز بين ما هو معلن وما هو مستتر ، وبين ما تثبته الوثائق وما يحتاج إلى دليل ، وبين التحالف الذي يخدم مصلحة مرحلية والشراكة التي تقوم على مصالح متبادلة .


وهذه هي المعركة الحقيقية ؛ معركة فهم موازين القوة قبل أن تفرض نتائجها نفسها على خرائط المنطقة ومستقبل شعوبها .


✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ

الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب

ودعم مؤسسات الدوله

رئيس الهيئة الإستشارية العليا

ولجنة الأمن القومي

مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي

النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه

العلاقات الدبلوماسية والقنصلية

لجنة تقصِّي الحقائق


الله الوطن الجيش

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)