الدستور المصري بين حق الاقتراح وحدود التأويل ..
استقرار الدولة لا يحتاج إلى جدل مفتوح
ما جرى تداوله بشأن الدعوة إلى وضع دستور جديد أو تعديل الدستور القائم ، على خلفية النقاش الذي دار حول الانتخابات الرئاسية المقبلة ، يستحق قراءة سياسية ودستورية هادئة ، بعيدًا عن الانفعال أو تحميل التصريحات أكثر مما تحتمل .
فالقضية هنا ليست خلافًا مع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها مواجهة بين القيادة السياسية وأي صوت من أصوات النخبة .
القضية الحقيقية هي مدى دقة الطرح الدستوري ، وحدود الحق في تقديم المقترحات ، والفارق بين ممارسة هذا الحق وبين تحويله إلى جدل سياسي لا يخدم استقرار الدولة .
أولًا .. حق الاقتراح لا يعني ضرورة التعديل
من حيث المبدأ ؛ لا يمكن مصادرة حق أي نائب أو سياسي أو مفكر في طرح رؤيته بشأن تطوير الدستور .
لكن وجود الحق في الاقتراح لا يعني أن كل اقتراح يصبح ضرورة وطنية ، ولا أن كل اختلاف في وجهات النظر يستدعي إعادة فتح الوثيقة الدستورية .
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور : حق التعبير عن الرأي ، والحق الدستوري في طلب التعديل ، والضرورة السياسية التي تبرر الانتقال من مجرد الاقتراح إلى اتخاذ إجراء فعلي .
فليست كل فكرة قابلة للنقاش واجبة التنفيذ ، وليست كل ثغرة يُشار إليها دليلًا على أن الدستور فقد صلاحيته .
ثانيًا .. ماذا تقول المواد الدستورية فعلًا ؟
الاستناد إلى المادة الرابعة باعتبارها تمنح الشعب السيادة ومصدرية السلطات صحيح من حيث المبدأ ، لكنه لا يكفي وحده لتبرير أي مسار سياسي أو دستوري .
فالمادة نفسها تقرر أن ممارسة الشعب لسيادته تكون على الوجه المبين في الدستور .
أما المادة ١٤٠ ، فقد حددت مدة الرئاسة بست سنوات ، وألا يتولى الرئيس الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين .
وتأتي المادة ٢٢٦ لتحدد إجراءات طلب تعديل مادة أو أكثر ، بدءًا من تقديم الطلب وأسبابه ، مرورًا بمناقشته داخل مجلس النواب ، ثم موافقة ثلثي أعضائه ، وصولًا إلى الاستفتاء الشعبي .
وهنا توجد نقطة قانونية لا يجوز تجاوزها : المادة ٢٢٦ لا تكتفي بتحديد إجراءات التعديل ، بل تضع قيدًا صريحًا على تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية ، إلا إذا كان التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات .
وبالتالي ؛ فإن الاستشهاد بالمادة الرابعة وحدها لا يلغي القيود الواردة في المادة ٢٢٦ ، ولا يجوز التعامل مع إرادة الشعب باعتبارها عبارة منفصلة عن الآليات الدستورية التي تنظم ممارستها .
ثالثًا .. التاريخ لا يمنحنا حق تكرار أخطائه
من المهم استحضار تجربة تعديل المادة ٧٧ من دستور ١٩٧١ عام ١٩٨٠ ، حين تغيرت صياغة مدة الرئاسة من «لمدة أخرى» إلى «لمدد أخرى» ، بما أتاح استمرار إعادة الانتخاب دون حد أقصى لعدد الفترات .
لكن الاستشهاد بهذه الواقعة يجب أن يكون في موضعه الصحيح .
فهي تجربة تاريخية تكشف أهمية دقة صياغة النصوص الدستورية ، وخطورة ترك العبارات القانونية مفتوحة على تأويلات تتجاوز مقصدها .
ولا يصح تحويلها تلقائيًا إلى حكم على كل تعديل دستوري ، أو إسقاط ظروف مرحلة تاريخية سابقة على واقع دستوري مختلف .
رابعًا .. هل نحتاج إلى دستور جديد أم إلى تطبيق الدستور القائم ؟
هذا هو السؤال الأهم في النقاش كله .
الدعوة إلى دستور جديد ليست مجرد تعديل مادة أو معالجة ثغرة ، بل هي طرح يتعلق بإعادة بناء الإطار الدستوري للدولة ، بما يستلزمه ذلك من نقاش واسع حول طبيعة النظام السياسي ، وتوازن السلطات ، والحقوق والحريات ، وضمانات التداول السلمي للسلطة .
وهنا يجب ألا نخلط بين مسارين مختلفين : تعديل الدستور وفق المادة ٢٢٦ ، ووضع دستور جديد ، فلكل منهما طبيعة قانونية وسياسية مختلفة ، ولا يجوز افتراض أن إجراءات أحدهما تنطبق تلقائيًا على الآخر .
والأهم أن الحديث عن وجود عيوب أو ثغرات في بعض القوانين أو المؤسسات لا يثبت بالضرورة أن المشكلة في الدستور نفسه .
فقد تكون المشكلة في القوانين المكملة ، أو في تأخر إصدار التشريعات ، أو في ضعف آليات التنفيذ .
ومن ثم ؛ فإن المطالبة بتطبيق النصوص القائمة واستكمال مؤسسات الدولة التشريعية والإدارية قد تكون أكثر إلحاحًا من فتح ملف دستور جديد لا تتضح ضرورته أو أهدافه أو ضماناته .
خامسًا .. استقرار الدولة لا يُختزل في وثيقة
لقد جاءت تصريحات السيد الرئيس في ١٤ و١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ واضحة بشأن عدم المساس بالدستور ، وأن عام ٢٠٣٠ يمثل نهاية مدته الرئاسية .
وهذه التصريحات ينبغي أن تُقرأ في سياقها المعلن ، وأن يكون التعامل معها منطلقًا لاحترام استقرار المسار الدستوري ، لا مناسبة لإعادة إنتاج الجدل حول احتمالات لم يطرحها الرئيس .
وفي المقابل ، فإن احترام هذه التصريحات لا يستلزم تحويل كل نقاش سياسي إلى اتهام أو تخوين ، كما أن حق الاختلاف لا يمنح أحدًا حق تجاهل النصوص أو تجاوز إرادة الدولة ومؤسساتها .
فالدولة لا تستقر بمجرد وجود دستور مكتوب ، وإنما تستقر حين تكون هناك ثقة في احترامه ، والتزام بمؤسساته ، ووضوح في قواعد انتقال السلطة ، وقدرة على تنفيذ القوانين دون انتقائية .
والحقيقة التي يجب أن تحسم هذا الجدل
إن أخطر ما في النقاش ليس اختلاف الآراء ، وإنما الخلط بين الحق في طرح الأفكار وبين صناعة انطباع بأن الدولة أمام أزمة دستورية تستوجب إعادة بناء قواعدها .
كما أن رئيس الجمهورية ليس طرفًا منفصلًا عن الدستور أو سلطة منفردة في تغييره ، فالدستور هو الإطار الذي يحدد اختصاصات الجميع ، والمادة ٢٢٦ تمنح رئيس الجمهورية حق طلب التعديل ، كما تمنح هذا الحق لخُمس أعضاء مجلس النواب ، وتبقى إجراءات الموافقة والاستفتاء واجبة .
ومن هنا ؛ فإن احترام موقف السيد الرئيس المعلن لا يتعارض مع حق الآخرين في إبداء الرأي ، لكنه يضع الجميع أمام مسؤولية سياسية واضحة : ألا يتحول النقاش إلى محاولة لخلق أزمة غير قائمة ، وألا تُستخدم فكرة المصلحة الوطنية لتبرير تجاوز النصوص الدستورية .
مصر لا تحتاج إلى فتح معركة حول دستور جديد لمجرد اختلاف وجهات النظر ، وإنما تحتاج إلى احترام دستورها ، وتفعيل مؤسساتها ، واستكمال ما تعطل من تشريعات ، وبناء ثقة حقيقية في قواعد الدولة ومؤسساتها .
فالدستور ليس ورقة تتغير بتغير الرغبات السياسية ، ولا حصانة تمنع النقاش ، بل عقد ينظم العلاقة بين الدولة والشعب ، ويحمي استقرار المؤسسات ، ويضمن أن تظل القواعد فوق الأشخاص والمواقف .
✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ
الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب
ودعم مؤسسات الدوله
رئيس الهيئة الإستشارية العليا
ولجنة الأمن القومي
مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي
النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه
العلاقات الدبلوماسية والقنصلية
لجنة تقصِّي الحقائق
الله الوطن الجيش

إرسال تعليق
0تعليقات