تعديل الدستور المصري بين النص الدستوري وحق الأجيال المقبلة

Mariam emaed
By -
0


 تعديل الدستور المصري بين النص الدستوري
وحق الأجيال المقبلة

في ظل ما أُثير مؤخرًا من جدل ونقاشات متباينة عبر الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن تعديل الدستور المصري ، وما صاحب ذلك من تفسيرات وتأويلات مختلفة للنصوص الدستورية ، يأتي هذا التوضيح لوضع المسألة في إطارها القانوني والدستوري الصحيح ، وتصحيح المفاهيم المتداولة ، ووضع حد للخلط بين النص الدستوري والاجتهادات الشخصية ، حتى لا يتحول النقاش العام إلى سجال مفتوح تفتقر بعض أطرافه إلى الدقة القانونية .

فالهدف ليس تبني موقف سياسي مع أو ضد أي طرف ، وإنما توضيح ما يقوله الدستور فعلًا ، وما يتيحه من إجراءات ، وما يضعه من قيود ، بما يساعد على إنهاء الجدل على أساس المعرفة القانونية لا الانطباعات والتأويلات .

تنظم المادة ٢٢٦ من الدستور المصري ، الواردة ضمن الباب السادس الخاص بالأحكام العامة والانتقالية ، إجراءات تعديل الدستور ، وتحدد الجهات التي تملك حق طلب التعديل ، والضوابط والمراحل الواجب اتباعها حتى إقراره .

وتمنح المادة رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس النواب حق طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور ، شريطة أن يتضمن الطلب تحديد المواد المطلوب تعديلها ، وبيان أسباب التعديل ومبرراته .

ويبدأ المسار الدستوري بمناقشة مجلس النواب طلب التعديل خلال ثلاثين يومًا من تاريخ تسلمه ، ويصدر المجلس قراره بقبول الطلب كليًا أو جزئيًا بأغلبية أعضائه ، وفي حالة رفضه لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي .

ووفقًا للائحة الداخلية لمجلس النواب ، يُحال الطلب إلى اللجنة العامة لإعداد تقرير بشأن مدى توافر الشروط الدستورية ومبدأ التعديل ، ثم يُعرض على المجلس لاتخاذ قراره .

وبعد موافقة المجلس على مبدأ التعديل ؛ يُحال الطلب إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لدراسة المواد المقترح تعديلها ، وإعداد مشروع الصياغة والتقرير الخاص بها .

وتشترط المادة ٢٢٦ مرور ستين يومًا على موافقة المجلس على مبدأ التعديل قبل مناقشة نصوص المواد المطلوب تعديلها ، ثم يتطلب إقرار التعديل موافقة ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب .

وبعد الموافقة البرلمانية ؛ تُعرض التعديلات على الشعب في استفتاء عام خلال ثلاثين يومًا من تاريخ صدور موافقة المجلس ، ويصبح التعديل نافذًا من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء وموافقة أغلبية عدد الأصوات الصحيحة للمشاركين فيه .

أما بشأن المواد التي تحظى بحماية دستورية خاصة ، فقد وضع الدستور قيدًا صريحًا يمنع تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية ، أو بمبادئ الحرية والمساواة ، إلا إذا كان التعديل يحقق المزيد من الضمانات .

وهنا يبرز نقاش دستوري مهم حول طبيعة القيود المفروضة على تعديل الدساتير ، ومدى إمكانية اعتبارها حظرًا أبديًا لا يقبل المراجعة ، في مقابل الرأي الذي يرى أن الدستور يعبر عن إرادة الشعب ، وأن حق الأجيال المقبلة في تحديد مستقبلها ينبغي أن يكون محل اعتبار في أي نقاش دستوري .


ويقدم دستور عام ١٩٣٠ المصري مثالًا تاريخيًا على تغير الأوضاع الدستورية ، فقد أُلغي ذلك الدستور بالأمر الملكي رقم ٢٧ لسنة ١٩٣٤ ، وعادت البلاد إلى دستور عام ١٩٢٣ في عام ١٩٣٥ .


وفي التجربة الفرنسية ؛ تنص المادة ٨٩ من دستور الجمهورية الخامسة على عدم جواز تعديل الشكل الجمهوري للحكومة ، وهو ما يوضح أن بعض الدساتير تضع قيودًا صريحة لحماية طبيعة نظام الدولة .


أما مسألة وضع دستور جديد بدلًا من الدستور القائم ، فهي تختلف قانونيًا عن تعديل مادة أو أكثر من مواده ، إذ إن المادة ٢٢٦ تنظم إجراءات التعديل ، ولا تتضمن بذاتها إجراءً مستقلًا لإنهاء العمل بالدستور القائم وإصدار دستور جديد .


ولا يعني غياب هذا الإجراء في المادة وحده وجود حظر دستوري مطلق ، وإنما يفتح بابًا لنقاش مستقل حول السلطة التأسيسية الأصلية للشعب وحدودها وضوابط ممارستها .


وفيما يتعلق بتوقيت إجراء التعديلات الدستورية ، فلا تحدد المادة ٢٢٦ مدة زمنية يجب انقضاؤها بين تعديل وآخر ، وإنما تضع إجراءات ومراحل محددة يتعين الالتزام بها عند تقديم أي طلب جديد .


وهنا يبرز السؤال الأهم : هل الدستور أداة لتنظيم إرادة الشعب في الحاضر فقط ، أم ينبغي أن يترك للأجيال المقبلة مساحة دستورية تمكّنها من تحديد مستقبلها أيضًا ؟


إنه سؤال دستوري وسياسي بالغ الأهمية لا ينبغي إخضاعه للشخصنة ، أو تحويله إلى موقف مع أو ضد قيادة سياسية بعينها ، وإنما يجب أن يُناقش باعتباره قضية تتعلق بطبيعة الدولة ، وإرادة الشعب ، وحقوق الأجيال المتعاقبة .


وفي النهاية ؛ فإن الدستور ملك للشعب ، وتعديله حق دستوري منظم وليس إجراءً مطلقًا أو قرارًا منفردًا ، وقد وضع الدستور ضمانات برلمانية وشعبية مشددة ، تبدأ بالموافقة على مبدأ التعديل ، وتمر بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب ، وتنتهي باستفتاء شعبي ، بما يضمن أن يكون أي تغيير دستوري مستندًا إلى إجراءات دستورية وإرادة شعبية واضحة .

---

✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ

الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب

ودعم مؤسسات الدولة

رئيس الهيئة الإستشارية العليا

ولجنة الأمن القومي

مجلس التنمية العربية والتعاون الدولي

النقابة العامة لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكية الفكرية

العلاقات الدبلوماسية والقنصلية

لجنة تقصِّي الحقائق


الله الوطن الجيش

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)