مَنْ يَمْلِكُ الْمُقَدَّسَاتِ ؟
هناك أسئلة لا يجوز أن تُترك أسيرة للانفعال السياسي ، لأن بعض الحقائق أكبر من السياسة ، وأبقى من الدول ، وأعمق من الصراعات العابرة .
ومن هذه الحقائق سؤال بسيط في ظاهره ، لكنه شديد الدلالة في جوهره :
مَن يملك الكعبة المشرفة؟ ومَن يملك المسجد النبوي الشريف؟ ومَن يملك المكان الذي ضم جسد رسول الله ﷺ؟
الإجابة لا تحتاج إلى حسابات سياسية ، ولا إلى خرائط نفوذ ، ولا إلى موازين قوى .
الكعبة ليست ملكًا لأسرة ، ولا لقبيلة ، ولا لحاكم ، ولا لدولة .
والقرآن الكريم يقول : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ .
فهي بيت الله ، وقبلة المسلمين ، ومقصد الحجيج ، ومقدس تتجاوز دلالته حدود الجغرافيا السياسية .
وكذلك المدينة المنورة ليست مجرد مدينة داخل حدود دولة ، والمسجد النبوي ليس مجرد مبنى تاريخي ، وقبر رسول الله ﷺ ليس قضية سياسية تخص شعبًا دون غيره .
إنها مقدسات ارتبطت بعقيدة أمة كاملة ، وبسيرة نبيها ، وبذاكرتها الدينية والتاريخية والحضارية .
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين يجري الخلط بينهما عمدًا أو جهلًا .
هناك دولة تتولى السيادة والإدارة والحماية والخدمة ، وهناك قداسة لا تتحول بسبب ذلك إلى ملكية سياسية .
ومن حق المملكة العربية السعودية أن تتولى إدارة أراضيها وشؤون الحرمين وفق سيادتها ، ومن واجبها أن تحمي هذه المقدسات وتوفر الأمن والخدمات لملايين المسلمين الذين يقصدونها من مختلف أنحاء العالم .
لكن هذا شيء ، والقول إن المقدسات أصبحت ملكًا سياسيًا خاصًا شيء آخر تمامًا .
فالمسجد النبوي نفسه مرّت عليه مراحل تاريخية طويلة من التوسعة والرعاية ، بدأت منذ عهد النبي ﷺ ثم الخلفاء الراشدين ، واستمرت عبر العصور الإسلامية المختلفة .
وهذا وحده يكشف المفارقة .
فالمكان باقٍ ، والدول تتغير .
والقبائل تتغير ، والأنظمة تتغير ، والحدود السياسية تتغير ، لكن قداسة المكان لا تتغير بتغير الحاكم أو النظام السياسي .
ومن هنا يصبح الدفاع عن المقدسات قضية تتجاوز الحسابات الضيقة .
فإذا تعرضت الكعبة أو المسجد النبوي أو أي رمز من رموز المقدسات الإسلامية لخطر حقيقي ، فلا يصح أن تتحول المواقف إلى حسابات : من فعل ؟ ومن نختلف معه ؟ ومن نؤيده ؟ ومن نعاديه ؟
المقدس لا يُقاس بهذه الطريقة .
والأخطر من الاعتداء على المكان هو الاعتداء على الحقيقة نفسها .
حين يصبح المعتدي في بعض الخطابات «مقاومًا» لمجرد أنه يرفع شعارًا معينًا ، ويصبح المدافع عن أرضه أو مقدساته «معتديًا» لمجرد أن السياسة لا توافق هوى البعض ، فهنا لا نكون أمام اختلاف في الرأي ، وإنما أمام أزمة في معايير الحكم على الأحداث .
وهنا تظهر إحدى أخطر المفارقات في زماننا .
قد تجد من يرفض استهداف مقدس في مكان ، ثم يبحث عن ألف تبرير إذا كان الاستهداف يخدم موقفه السياسي .
وقد تجد من يرفع شعار الدفاع عن المقدسات ، لكنه يسكت عندما تتعرض مقدسات المسلمين أو أمن شعوبهم للتهديد ، لأن الفاعل ينتمي إلى المعسكر الذي يناصره .
وهذا هو تشويه الحقائق عندما تصبح السياسة أقوى من المبدأ .
لا يمكن أن يكون قتل الأبرياء عدوانًا عندما يفعله خصمنا ، ثم يصبح «ضرورة» عندما يفعله من نؤيده .
ولا يمكن أن يكون استهداف دولة جريمة عندما يكون ضدنا ، ثم يصبح «ردًا مشروعًا» لمجرد أننا نختلف مع تلك الدولة .
ولا يمكن أن نضع حماس في كفة واحدة مع أي طرف آخر لمجرد الرغبة في صناعة معادلة سياسية مريحة ، من دون أن نناقش الوقائع والأفعال والسياقات والمعايير نفسها .
فالحق لا يتغير بتغير اسم الفاعل .
والجريمة لا تصبح فضيلة لأن مرتكبها يرفع راية نحبها .
والمقاومة لا تمنح صاحبها حصانة من النقد ، كما أن الخصومة السياسية لا تجعل كل ما يفعله الطرف الآخر باطلًا .
هذه هي القاعدة التي يجب أن نستعيدها قبل أن تضيع وسط الضجيج .
المقدسات ليست ورقة سياسية .
والكعبة ليست ملكًا للسعوديين وحدهم ، كما أن المسجد النبوي ليس ملكًا لعائلة ، وقبر رسول الله ﷺ ليس ملكًا لدولة .
إنما المملكة العربية السعودية هي الدولة التي تقع هذه المقدسات داخل حدودها اليوم ، وهي التي تتولى مسؤولية إدارتها وحمايتها وخدمة قاصديها .
أما القداسة نفسها ، فهي أوسع من الحدود ، وأكبر من السياسة ، وأبقى من الأنظمة .
ولهذا فإن الدفاع عن المقدسات ليس اعتداءً على سيادة دولة ، كما أن احترام سيادة الدولة لا يعني التخلي عن حق الأمة في الدفاع عن مقدساتها إذا تعرضت لخطر حقيقي .
المعادلة الصحيحة ليست : « مَن يملك المقدس ؟ »
بل :
مَن يحميه ؟ ومَن يعتدي عليه؟ ومَن يقف معه عندما يتعرض للخطر ؟
وهنا لا بد أن نقولها بوضوح .
إن الدفاع عن المقدسات لا يكون بالشعارات فقط ، ولا بالمزايدات ، ولا بتوزيع صكوك الوطنية والدين على الآخرين .
الدفاع الحقيقي يبدأ برفض الاعتداء عليها ، ورفض تبرير الاعتداء ، ورفض تحويلها إلى أدوات في الصراع السياسي ، ورفض الكذب في نقل الوقائع ، ورفض صناعة عدو وهمي لمجرد خدمة رواية سياسية .
فالمقدسات تحتاج إلى حماية الأرض ، لكنها تحتاج أيضًا إلى حماية الحقيقة .
وقد يكون أخطر ما يهدد المقدس أحيانًا ليس الصاروخ وحده ، وإنما الكلمة التي تقلب المعتدي إلى ضحية ، والضحية إلى معتدٍ ، ثم تطلب من الناس أن يصدقوا الرواية لأنها تخدم موقفهم السياسي .
إن الكعبة ستبقى قبلة المسلمين ، والمسجد النبوي سيبقى مسجد رسول الله ﷺ ، والمدينة ستبقى حاضنة ذاكرة النبوة .
أما الدول والأنظمة والسياسات ، فكلها متغيرة .
ولهذا فإن احترام المقدسات والدفاع عنها يجب أن يكون مبدأ ثابتًا ، لا موقفًا موسميًا ، ولا رد فعل مرتبطًا باسم الفاعل أو هويته .
المقدسات لا تحتاج إلى مالك بشري ، وإنما تحتاج إلى أمة تعرف قدرها ، ودول تحميها ، وضمير يرفض الاعتداء عليها ، وعقل لا يسمح بتشويه الحقيقة .
ومن يخلط بين هذه المعاني ، فإنه لا يدافع عن المقدسات ، بل يحولها إلى أدوات في معركة سياسية ، وحينها يصبح السؤال الحقيقي ليس : مَن يملك المقدس ؟
وإنما :
مَن يملك القدرة على حماية الحقيقة عندما تصبح الحقيقة نفسها مستهدفة ؟
✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ
الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب
ودعم مؤسسات الدوله
رئيس الهيئة الإستشارية العليا
ولجنة الأمن القومي
مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي
النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه
العلاقات الدبلوماسية والقنصلية
لجنة تقصِّي الحقائق
الله الوطن الجيش

إرسال تعليق
0تعليقات